• ×

09:22 , الأربعاء 17 أكتوبر 2018

( لم يمت ضوء القمر يا ام ابراهيم )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 القمر جثة هامدة تغنى به الحالمون والعاشقون وناجاه المغتربون والمسهدون وحادثه المتفائلون والمأملون.. وجلهم لا يعلم أن سر الافتتان لا يكمن في جرم القمر بل في الضياء المنبعث من أشعة الشمس الذي يلامسه فحيله إلى قمر منير وجرم مستنير يفيض على النفوس بهجة وسرورا ويملأ القلوب غبطة وحبورا.
وقليل أولئك الذين يجيدون إطلاق وصف القمر على من يعشقونهم ويمتلكون في ذات الوقت خاصية الضياء التي تضفي على الموصوف أجواء نورانية تنسيه مكدرات الزمن ومنغصات المحن.. ولعل من بين تلك النماذج الإنسانية الوضاءة فقيد البر والإحسان المفعم بالود والإيمان (إبراهيم فواز) الذي لايسطع ضوء البر إلا ويكون حاضرا ولا يلمع نور الحنو إلا ويكون شاهدا.. حيث دأب على مناداة أمه (ياقمر)كلما قابلها أو ودعها حيث لا يكل ولا يمل لسانه من مناجاة قمره الذي خلب لبه وعشقه أكثر من ذاته ومن كل شئ عزيز على نفسه، وهو بهذا المسلك البار يناجي قمرا ليس ككل الأقمار وهو بمنأى عن الخسوف ولا يعتريه الكسوف لأن الله قد أكرمه وأجله بأن متع له في عمر أمه ومد لها في حياتها وبارك لها في صحتها وهي في التسعين من عمرها، وهي تقول دوما (ياإبراهيم) كلما رأيتك أحس بالنور يشرق حولي وفي داخلي وماعلم (إبراهيم) يرحمه الله أن ضوء بره لأمه هو الذي كان ينعكس على محيا والدته فيطمس تلك التجاعيد ويحيلها إلى بدر في ليلة تمامه يكاد سطوع ضوئه يسحر الأعين ويذهب بالألباب مما يؤكد أن نور البر الذي يمارسه (إبراهيم) يرحمه الله تجاه أمه قد تعاظم في نفس أمه حتى أصبح ضياء يلامس حواسها ومشاعرها كلما أبصرته، لأنه ببره هذا يعيد لها دفق الحياة الجميلة بكل ماتحمل من الأمل والتفاؤل وبكل ماتكتنزه من موجبات الانشراح ودواعي الارتياح، وهو السبب الذي جعل من البار بأمه (إبراهيم) يراها كل ما أبصرها أشبه بالبدر ليلة تمامه وبالقمر في أشد لمعانه، وهو ذات السبب الذي يجعل من الأم تشعر بالنور يتغشاها كلما أبصرت إبراهيم وهو بين يديها يهش وتحت قدميها يبش، وهو يمارس البر في أنصع صوره وأمتع مواطنه.
ولكون والدة المتوفى (ابراهيم) صديقة حميمة لوالدتي فإن ذلك قد أتاح لي فرصا ثمينة ومشاهد جمه من فضائل البر العميق الذي كان يمارسه إبراهيم تجاه أمه، ومن ذلك أنه كان يوميا يصطحبها لزيارة صديقاتها وأقاربها حتى لا تعتريها السآمة ولا تصيبها الكآبة، كما يلاطفها دوما بأحب العبارات إلى نفسها وأكثرها إيناسا لمشاعرها، ويكسوها قبل زوجه وبنيه،ويذكرها ماعذب ولذ من الآيام الخوالي وبالذات تلك التي تعيد إلى النفس البسمة وترسم الفرحة، وإن من سطوع بره لأمه وقبل أشهر قلائل من وفاته أن اشترى لأمه من الحلي الذهبية ما كانت تتمناه في شبابها وألبسهابنفسه فتبدت كقمر وعروس في آن معا وانهمرت سحائب مزن غبطتها بدعاء ليس ككل دعاء وبثناء لا يماثله ثناء وامتزجت فيها دموع الفرح بأنوار البر والإحسان فزاد قمر الأمومة سطوعا وازدان ضياء البر إشراقا ولمعانا، وكأنما الشمس والقمر اجتمعا في ليلة بدرية على خميلة سندسية.
ومن مباهج بره لأمه أنه عندما أصابتها جلطة دماغية حملها في حضنه طول مسافة الطريق من الشقيق إلى المدينة المنورة ولاتكاد تقف له دمعة ولسانه لا يفتر عن الدعاء لها حتى من الله عليها بالشفاء.
ومن بديع بر (إبراهيم) بأمه وقبل وفاته بلحظات وجيزة أن اشترى أشهى طعام تحبه (والدته) وأطعمها بيديه برا لها وإكراما لعلو منزلتها وإجلالا لسمو قدرها.
ومن المؤكد أن وفاة (إبراهيم) خطبا جلالا وحادثا مؤثرا ووقعا أليما.. إلا أن عزاءنا بأن الله اختاره ليعجل له المثوبة على عظيم بره وإحسانه لأمه، وهو في ضيافة رب رؤوف رحيم جواد كريم يجزل المثوبة ويكرم العطاء لكل من كان لإمه رمزا للبر والوفاء كما وأن من أبلغ مانعزي به أنفسنا أن يحظى (إبراهيم) بمزيد من الدعاء من أمه المكلومة بأن يمنحه الله الدرجات العلى في جنة المأوى وأن ينعم بصحبة النبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
إن من يفيض على أمه برا كلما أبصرها ويناديها قمرا كلما حادثها ليس مكانه الحياة الفانية، بل نزله الدار الباقية بين قطوف الجنة الدانية وأنهاراها الجارية وظلالها الوارفة.
ونقول لأم إبراهيم إن الله أراد أن يبرك إبراهيم ميتا كما برك حيا حيث أن تصبرك على فراقه يزيد في إيمانك ويكفل لك مثوبة الصابرين بلا حساب من رب الأرباب الذي ندعوه أن يجعلك ممن يأخذ الكتاب باليمين بلا حساب ولاعقاب.
كما نقول لزوج إبراهبم وأولاد إبراهيم وآل إبراهيم إن إبراهيم ضرب لنا أروع النماذج في البر والوفاء بأمه فسيروا على نهجه في بركم لجدتكم يبارك لكم في أعماركم وسائر أحوالكم وتظفروا بخيري الدنيا والآخرة.
ونقول لأصدقاء وزملاء ورؤساء وأخلاء (إبراهيم) فليكن لكم عبرة وعظة في نهج ابراهيم لبره لأمه فأفيضوا على أمهاتكم وآبائكم وذويكم من البر والإحسان ما يبلغكم عالي الجنان.
وختاما يا أم إبراهيم إن ضوء القمر لم يمت.. بل سيضل ساطعا يضئ شغاف قلبك كلما تذكرت بر إبراهيم.. وماكان لضوئه أن يمحى ولا لبره أن ينسى.

بواسطة : احمد الحدري
 1  0  6.7K
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-09-2016 02:55 جرح الماضي :
    رحمك الله *يابو مساعد وسكنك *فسيح جناتك *والله يشهد كنت ونعم البار بولدتك رحمك الله عليك